ابن حمدون
233
التذكرة الحمدونية
قرب . فقال لها : هبي لي صندوقا من هذه الصناديق ، فقالت : كلَّها لك يا أمير المؤمنين ، فقال : ما أريد كلَّها إنما أريد منها واحدا ، قالت : خذ أيّها شئت ، قال : هذا الذي جلست عليه ، قالت : خذ غيره فإنّ لي فيه أشياء أحتاج إليها ، قال : ما أريد غيره ، قالت : خذه يا أمير المؤمنين . فدعا بالخدم وأمرهم بحمله ، فحملوه حتى انتهي به إلى مجلسه ، فوضعه فيه ثم دعا بعبيد له عجم فأمرهم بحفر بئر في المجلس عميقة ، فنحّي البساط وحفرت إلى الماء ، ثم دعا بالصندوق فوضع على شفير البئر ودنا منه وقال : يا صاحب الصندوق ! إنّه قد بلغنا شيء إن كان حقّا فقد كفيناك ودفنّاك ودفنّا ذكرك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر ، وإن كان باطلا فإنّما دفنّا الخشب وما أهون ذلك . ثم قذف به في البئر ، وهيل عليه التراب ، وسوّيت الأرض ، وردّ البساط إلى حاله ، وجلس الوليد عليه . ثم ما رئي لوضاح بعد ذلك أثر في الدنيا إلى هذا اليوم . قال : وما رأت أمّ البنين لذلك أثرا في وجه الوليد حتى فرّق الموت بينهما . « 455 » - لمّا مات جعفر بن المنصور الأكبر مشى المنصور في جنازته من المدينة إلى مقابر قريش ومشى الناس أجمعون معه حتّى دفنه ثمّ انصرف إلى قصره فأقبل على الرّبيع فقال : يا ربيع ، [ انظر من في أهلي ] ينشدني : [ من الكامل ] أمن المنون وريبها تتوجّع حتى أتسلَّى عن مصيبتي . قال الرّبيع : فخرجت إلى بني هاشم وهم بأجمعهم حضور فسألتهم عنها فلم يكن فيهم أحد يحفظها . فرجعت فأخبرته ، فقال : واللَّه لمصيبتي بأهل بيتي ألا يكون فيهم أحد يحفظ هذه القصيدة لقلة رغبتهم في الأدب أعظم عليّ وأشدّ من مصيبتي بابني . ثمّ قال :
--> « 455 » الأغاني 6 : 257 - 258 وقصيدة أبي ذؤيب في شرح أشعار الهذليين .